الأربعاء 1430/11/16 هـ ـ الموافق 2009/11/4 م

سقوط "نظام عام 55"

تغيير الحكم من الحزب الديمقراطي الحر إلى الحزب الديمقراطي الياباني

نصر كاسح
هاتوياما يبارك فائزي الانتخابات العامة بالورود
(صورة كيودو 31/8/2009)

لا يعني هذا التغيير سقوط حكم حزب معين فحسب، إنما يعني انفتاح العصر الجديد، بغض النظر إذا لاحظ اليابانيون أنفسهم ذلك.

نتيجة للانتخابات العامة اليابانية التي أجريت في الثلاثين من شهر آب (أغسطس)، استلمت حكومة الحزب الديمقراطي الياباني السلطة وتولى يوكيؤو هاتوياما منصب رئيس الوزراء. إن تغيير الحزب الحاكم من الحزب الديمقراطي الحر إلى الحزب الديمقراطي الياباني يعني نهاية نظامٍ حَكمَ اليابان منذ عام 1955، هذا النظام الذي كان عماده الحزب الديمقراطي الحر. وليس ذلك فعليا إلا ثورة هادئة في اليابان. فالشعب الياباني لا يحب التغييرات المتسارعة وهذه أحدى خصوصياته العرقية التي ترجع جذورها إلى المجتمعات الزراعية وبخاصة زراعة الأرز، التي تتميز بالحفاظ على التناغم والإنسجام.

ولكن اليابانيين فقدوا صفة "مجتمع التناغم والتعايش" التي كانت تعتبر ميزتهم الشعبية نتيجة لتطبيق مبادئ الرأسمالية النقدية بالنمط الأمريكي، وتطبيق "نظام الكفاءات" في المجتمع الياباني خلال خمس سنوات من بداية هذا القرن، السياسة التي اتخذتها حكومة كويزومي الأسبق. فنما شعور بعدم الرضى لدى معظم الشعب الياباني من سياسات حكومة كويزومي لأنها سببت تباينا بين الفقراء والأغنياء وباعتبار أنها أضاعت سعادة الكثير من الناس.

وكان نظام حكم الحزب الديمقراطي الحر مبني على التنسيق بين مصالح الأوساط الثلاثة، السياسية والاقتصادية والبيروقراطية، لأن نظام التنسيق في سير السياسة كان نمطا مناسبا من أجل إعادة البناء بعد الدمار إثر الهزيمة في الحرب العالمية الثانية. فمعظم المدن اليابانية دمرت تماما خلال تلك الحرب باستثناء مدينتي كيوتو ونارا من جراء قصف القاذفات الأمريكية، كما أن تدمير مدينتي هيروشيما وناغاساكي بإسقاط القنبلتين الذريتين صار معروفا في العالم الإسلامي وفي الشرق الأوسط. وكانت أغلبية المدن اليابانية عام 1945 حقلا محروقا، وأصيبت جميع الأنشطة الاقتصادية بلا استثناء بالشلل. فكان من الضروري وجود نظام سياسي قائم على التنسيق بين المصالح في مواجهة قضية الإغاثة الاقتصادية من الحالة السيئة جدا التي أنتجتها الحرب.

من جهة أخرى كان "نظام عام 55" مفيدا لتنمية الإقتصاد الياباني أيضا. فبرعت اليابان جداً في الصناعة (الإنتاج الصناعي) مما ساهم في كسب العملات الصعبة، وأدى ذلك إلى نمو اقتصادي سريع، في حين استغل الحزب الديمقراطي الحر هذه المصادر المالية لا في داخل المدن فقط بل في إعادة بناء البنية التحتية في الأقاليم أيضا. ومن خلال صفقات الأشغال العامة هذه في الأقاليم والأرياف، تم ربط الحزب الديمقراطي الحر بشركات الإنشاء والمقاولات. وهكذا تمكن الحزب من بناء آلية لجمع أصوات الناخبين في الأقاليم من خلال المقاولين المحليين. لذا، كان نظام حكم الحزب الديمقراطي الحر خلال أيام النمو الاقتصادي السريع متينا وراسخا، كما ظهر أيضا وكأنه فعال وذو نفوذ في طول البلاد وعرضها.

إنتهى عهد "شوّا" في عام 1989 بوفاة الامبراطور شوّا (الإمبراطور هيروهيتو. وهو ينادى باسم عهده بعد رحيله كباقي الأباطرة السابقين)، ودخلت اليابان المرحلة الاقتصادية المعروفة باسم اقتصاد الفقاعة حيث نسي الناس فيها أخلاقياتهم وآمنوا فقط بالقوة المالية. أدى كل هذا إلى ارتفاع هائل لأسعار الأراضي ودخل العصر الاقتصادي في مرحلة مجنونة يرى الناس فيها وضعا اقتصاديا وهميا فقط بدل الحالة الحقيقية. ففاضت الأموال في السوق لدرجة أن الناس أسرعوا في إقامة نشاطات استثمارية خارج البلاد، وكان شراء مبنى مركز روكفيلر في وسط مدينة نيويورك مثالاً لها. غير أن هذا العصر المجنون لم يدم طويلا قبل أن ينهار اقتصاد الفقاعة. ففقد الشعب الياباني ثقته هذه المرة ومرّ بفترة عرفت باسم "العقد المفقود" الذي بدأ مع بداية تسعينيات القرن الماضي. في الحقيقة، وخلال هذه الفترة بالذات، كان نظام الحكم المبني على التنسيق بين الأوساط الثلاثة منهارا بشكل غير مرئي بعد أن استمر منذ عام 1955، ولكن لم يلاحظ ذلك أي سياسي، كما لم يشعر اليابانيون بهذا التغير الأساسي. فهم فقدوا ثقتهم بعد سقوط الاقتصاد الوهمي وأدى ذلك إلى العديد من الاضطرابات في سياسة الدولة.

وكان ساسة الحزب الديمقراطي الحر يبنون السياسات معتمدين على البيروقراطية، وكانوا يقومون بدور الوسيط بينها وبين الناخبين الذين يقدمون طلباتهم لأعضاء الحزب الديمقراطي الحر. فأصبحت البيوروقراطية مصدر القوة لحسم القرار فيما يتعلق بتوزيع الأعمال، واتجه التنسيق السياسي إلى توزيع المصالح الضئيلة الخاصة بدل الهدف السامي والطموح الكبير في مصلحة الدولة والشعب إجمالا. ويعني هذا أن نمط السياسة التنسيقية الملائم في أيام الازدهار قد انتهت فعاليته عندما دخلت اليابان فترة النمو المتدني المستوى.

- سياسة جديدة في ظل النمو الاقتصادي المتدني
واتجه التنسيق السياسي إلى توزيع المصالح الضئيلة الخاصة بدل الهدف السامي والطموح الكبير في مصلحة الدولة

يمر الاقتصاد الياباني بمرحلة من النمو المتدني المستوى بعد مرحلة من النمو العالي المستوى، كما دخلت اليابان عصرا شهد تراجعا في عدد الولادات مع ارتفاع عدد المسنين في المجتمع، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع في عدد السكان في المستقبل. وبالتالي أصبح من غير الممكن لهذا "النمط الياباني" الاستمرار، وبات غير قابل للتطبيق على المستوى الاقتصادي أو الإجتماعي. وكان من الطبيعي أن لا يتمكن الحزب الديمقراطي الحر الذي استمر في محاولة تنفيذ سياسة تقليدية من كسب تأييد الشعب الياباني. فقام الشعب الياباني بمعاقبة هذا الحزب من خلال الانتخابات العامة التي أجريت في الثلاثين من شهر آب (أغسطس)، وفي الوقت ذاته لم يكن لدى الشعب أي خيار آخر سوى انتخاب الحزب الديمقراطي الياباني الذي لم يحمل أية آمال خاصة. وبعد كل هذا لا تزال حقيقة أن تغيير الحكم من الحزب اليموقراطي الحر إلى الحزب الديمقراطي الياباني تحمل رسالة كبيرة مفادها: إن هذا التغيير لا يعني سقوط حكم حزب معين فحسب، إنما يعني انفتاحا على عصر جديد، بغض النظر عمّا إذا لاحظ اليابانيون أنفسهم ذلك.

نجد الآن بعض الإضطرابات في سياسات الحزب الديمقراطي الياباني كونه لم يتول الحكم من قبل. ولكن هذا هو الثمن الذي لا بد أن يدفعه الشعب الياباني من أجل نقل مجتمعهم إلى عصر جديد.

ومن المعروف أن وزن اليابان في شرق آسيا يتراجع مقارنة مع الصين، غير أن قيمة اليابان تبقى في كونها دولة مستقرة تتمتع بديمقراطية فعالة، في حين أن الصين تبقى دولة يحكم فيها الحزب الشيوعي 1.3 مليار نسمة بشكل استبدادي.


د. أكيرا ماتسوناغا  - 松長 昭


نائب المدير لشؤون الصناديق الإقليمية - مؤسسة ساساكاوا للسلام

مولود في طوكيو عام 1960 ومتخرج من جامعة كيؤو Keio University
(حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من نفس الجامعة)
عمل في المعاهد والمؤسسات العلمية التالية:
باحث في المعهد الياباني للشرق الأوسط / مستشار سياسي في السفارة اليابانية في تركيا (1991-1994)
باحث في مركز الدراسات الإقليمية - جامعة كيؤو
أستاذ زائر في العلوم السياسية – جامعة تافّاكور (باكو) Taffacur University
كبير باحثين في معهد مركز نيويورك للشرق والغرب (2000-2002)