الأربعاء 1431/1/27 هـ ـ الموافق 2010/1/13 م

استراتيجية روسيا للغاز: بدء تصدير النفط الخام من سيبيريا لآسيا

ناقلة LNGغراند أنيفا راسية على مرسى بريغورودني، ساخالين / تصوير ساخالين إنيرجي

في حال ربط روسيا باليابان مباشرة من خلال خطوط أنابيب النفط والغاز، سيحدث ذلك التطور تغيرا كبيرا في مجال وسائل نقل الطاقة

في الأول من شهر كانون الثاني (يناير) عام 2010، انطلق المشروع الروسي الضخم لتصدير النفط الخام من شرق سيبيريا إلى منطقتي آسيا والمحيط الهادئ عن طريق خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والسفن. لقد بدأ النفط الخام الروسي يتحرك على متن الناقلات وإن لم يكتمل هذا المشروع بعد. وطبقاً لما يخططه هذا المشروع، فإن حجم التصدير في الوقت الحاضر يقدر بـ 15 ميليون طن سنويا، بيد أنه سيصبح 50 مليون طن سنويا في المرحلة النهائية. وسيتم تصدير 40% من الـ 50 مليون طن (أي 20 مليون طن) إلى اليابان، مما سيشكل 10% من إجمالي طلب اليابان للنفط الخام الذي يقدر بنحو 200 مليون طن. ومنفعة استيراد النفط الخام الروسي كبيرة جدا من حيث أمن الطاقة لليابان. ذلك لأن اليابان تستورد أكثر من 80% من حاجاتها من النفط والغاز الطبيعي من بلدان الخليج. وطريق النقل طويلة وتمر بمضيقا هرمز وملقة. بالتالي يؤثر الوضع الأمني في منطقة الخليج على اليابان تأثيرا خطيرا. لكن وللأسف الشديد، لا يلفت معظم اليابانيين أنظارهم إلى أهمية موضوع الأمن هناك. على هذا أقول إن منفعة النفط الروسي كبيرة، فهو قابل للاستيراد بدون المرور بمضيق هرمز ومضيق ملقة.

وبلدان الشرق الأوسط ومنطقة الخليج تضيف حقا إضافيا ما يسمى "قسط آسيا" على أسعار النفط العادي استغلالا لأوضاع هذه المنطقة التي تعتمد على النفط الخام من الشرق الأوسط بشكل كبير. وهو أمر لا مفر الا إدانتهم من الاستغلال من نقطة ضعف البلدان الآسيوية نظرا لحقيقة أن تداول السلع المتوافرة يؤدي إلى خفض أسعارها كما توضّح النظريات الاقتصادية. وبالرغم من أن فرض أسعار آسيا الإضافية هذه غير معقول أبدا، إلا أن البلدان الآسيوية لم تتمكن من الإعتراض لعدم وجود خيارات أخرى لمصادر النفط المستورد. ويجب التحذير من أن تصدير النفط الخام الروسي إلى آسيا يشكل منافسا قويا في الأعمال لبلدان الخليج. فهناك إمكانية لإعادة النظر في مسألة أسعار أسيا الإضافية، وهذا بالطبع يعود بمنفعة كبيرة على البلدان المستوردة.

وعملت روسيا على ربط مصادر الغاز الطبيعي في وسط آسيا وسيبيريا مع أوروبا عبر شبكة من خطوط الأنابيب. وتنوي روسيا تجهيز شبكة مماثلة من خطوط الأنابيب نحو آسيا أيضا. وفي حال ربط شبكة خطوط أنابيب الغاز مع آسيا مباشرة، سيكون هذا مكسبا كبيرا لليابان. ذلك لأنها تستورد الغاز الطبيعي من بلدان الخليج (مثلا قطر) على شكل غاز مسال على متن ناقلات خاصة. وهذه الطريقة تكلف مبالغ هائلة. وبالنسبة إلى تصدير الغاز الطبيعي من ساخالين التي تقع شمال اليابان مباشرة، فإنه يصل إلى اليابان عبر الناقلات بشكل الغاز الطبيعي المسال أيضا، في الوقت الذي تنتقل فيه اليابان إلى اسخدام الغاز الطبيعي المسال أكثر وأكثر من أجل توليد الكهرباء، بسبب فاعليته من وجهة نظر استهلاك الطاقة والعناية بالبيئة. وفي حال ربط روسيا باليابان مباشرة من خلال خطوط أنابيب النفط والغاز، سيحدث ذلك التطور تغيرا كبيرا في مجال وسائل نقل الطاقة. وسيغدو النقل بخطوط الأنابيب برا، في حين يعتمد استيراد جميع حاجات اليابان من الطاقة حاليا على السفن عبر البحر.

لا يمكن إنكار أن إمكانية التقارب بين اليابان وروسيا من خلال قناة الطاقة يشكل انعكاسا للوضع الراهن على الساحة الدولية

هذا وتوجد منفعة لروسيا من التصدير إلى اليابان في الحصول على العملة الأجنبية من اليابان بصورة مستقرة. وكذلك يعود تنويع بلدان التصدير بالمنفعة على روسيا أيضا. ونذكر في هذا السياق بأن روسيا لها تاريخ متوتر مع الصين، وهي ترغب في توطيد علاقات الطاقة مع اليابان.

ويستولي على معظم اليابانيين القلق بأن الاقتراب من روسيا أمر عسير بسبب وجود مشكلة الجزر الشمالية (مسألة احتلال الاتحاد السوفياتي وروسيا للجزر اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية). وكان النفوذ الأمريكي ولا يزال يسيطر على التجارة اليابانية في ظل حماية القوات البحرية الأمريكية تحت مظلة الحلف الياباني الأمريكي. بالتالي لم توافق أمريكا حتى الآن على ربط خطوط أنابيب الطاقة الروسية عبر القارة مع اليابان. وفي الوقت الذي ينتهي فيه عصر هيمنة المحور الواحد على العالم أي الولايات المتحدة، لا يمكن إنكار أن إمكانية التقارب بين اليابان وروسيا من خلال قناة الطاقة يشكل انعكاسا للوضع الراهن على الساحة الدولية. وقد شاهدنا النصر الانتخابي للحزب الديموقراطي الياباني في الانتخابات العامة في شهر آب (أغسطس) عام 2009، وهزيمة الحزب الديموقراطي الحر بعد مرور خمسين سنة على كونه حزبا حاكما، وتشكيل حكومة الحزب الديموقراطي الياباني برئاسة هاتوياما. ويهمني القول هنا إن حكومة هاتوياما تحاول تعزيز علاقات اليابان مع البلدان اللآسيوية مع تعديل علاقة الحلف مع أمريكا. وقد حقق جد رئيس الوزراء هاتوياما، رئيس الوزراء إيتشيرو هاتوياما حينذاك، إعادة العلاقات الدبلوماسية بين اليابان والاتحاد السوفياتي والتي كانت منقطعة بعد الحرب العالمية الثانية. ونظرا لمثل هذه الخلفية، لا يمكن استبعاد الحلم بأن اليابان وروسيا قد تبنيان  العلاقات الوطيدة في مجال الطاقة.

نجد أن البلدان في الخليج وهي الجانب المصدر للنفط والغاز كانت ولا تزال تأخذ موقفا قويا في تجارة هذه المصادر وغافلة عن منطقة آسيا، إلا أن الأحوال قد تتغير مما يلزمها بالاهتمام بتغيرات واسعة النطاق في الشؤون الدولية.

 


د. أكيرا ماتسوناغا  - 松長 昭

نائب المدير لشؤون الصناديق الإقليمية - مؤسسة ساساكاوا للسلام
السابقة هل على رئيس الوزراء الياباني...