الجمعة 1431/9/24 هـ ـ الموافق 2010/9/3 م

سبب الأزمة الاقتصادية عدم وجود سياسة سليمة للحكومة

مقر بنك اليابان في طوكيو. يعتبر عدم وجود السياسة النقدية الفعالة أحد أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية/ أرشيف

محلل اقتصادي: "الكثير من الشركات تتوقع أن يستغرق الأمر عشر سنوات أو عشرين سنة حتى يتحسن الاقتصاد"

يمرّ الاقتصاد الياباني في حالة خطيرة بسبب عدم وجود سياسة سليمة للحكومة وبنك اليابان. ويستمر تفاقم الانكماش في حين أن الاستهلاك الفردي لا يزداد، ولا تنخفض نسبة البطالة ولا تزداد فرص العمل أيضا. لذلك تحاول الشركات إعادة بناء الاقتصاد من خلال التصدير. ونظرا لضعف الطلب الداخلي، تقوم هذه الشركات بالاستثمارات في التجهيزات ليس في داخل البلد بل في الخارج مثل الهند والصين وجنوب شرق آسيا والبرازيل وكندا وأستراليا. حتى أن 40% من المنشآت الإنتاجية للشركات متواجدة الآن في بلدان أجنبية، وهذه التوجهات تستمر دون التوقف. بالأحرى تعمل نصف أنشطة الشركات اليابانية تقريبا لمصلحة بلدان أجنبية من حيث زيادة فرص العمل والأجور في تلك البلدان بينما يجري صرف العمال من الخدمة داخل اليابان.

وعلى وجه الخصوص، يعتبر عدم وجود استثمارات في التجهيزات بتاتا داخل اليابان تمهيدا لتحسن الوضع الاقتصادي بعد سنتين أو ثلاث من أخطر الظواهر. وبشكل عام تغوص الشركات في الاستثمارات خلال أيام الركود لأن أسعار الأجهزة والأراضي وتكلفة إنشاء المصانع تكون أرخص مما عليها في أيام الازدهار، كما يحتاج نضوج الطاقم المتخصص إلى مدة معينة من التدريبات، وكلها على أساس توقعات بتحسن الوضع بعد سنتين أو ثلاث. بيد أنه في الواقع لا توجد هذه المرة أية شركة في اليابان تقوم بالاستثمارات رغم الركود الحالي. ويقول أحد محللي الاقتصاد في اليابان "إن سبب ذلك أن الكثير من الشركات تتوقع أن يستغرق الأمر عشر سنوات أو عشرين سنة حتى يتحسن الاقتصاد".

تعلن وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات بصورة دورية عن بعض المؤشرات الاقتصادية مثل نسبة البطالة وتكتب الصحف عنها بصورة مكبّرة قائلة "قد تحسن الوضع قليلا" إلى آخره مع غبطة حينا وقلق في حين آخر. غير أن المحللين الاقتصاديين يشتكون بشدة مفسرين بالقول "لا معنى لزيادة أو تراجع نسبة البطالة في ظلّ ضعف الاقتصاد الياباني خلال السنوات العشر أو العشرين القادمة. ولن تتحسن معدلات توظيف خريجي الجامعات الجدد في السنوات العشر القادمة على أقل تقدير، أو يمكن أن يستغرق الأمر عشرين سنة إن غدا الوضع أسوأ من ذلك".

وكل هذا الوضع الخطير يرجع إلى عدم وجود سياسة سليمة للحكومة وبنك اليابان. فعلى سبيل المثال، نعرف أن الولايات المتحدة تتخذ إجراءات قوية حتى تحافظ على سعر صرف منخفض للدولار الذي من غرضه أن ينعش الاقتصاد عن طريق التصدير. فمثلا في هذا الإطار، يقوم رئيس مجلس الاحتياط الفدرالي الأمريكي برنانكي بإقرار شراء سندات القروض السكنية بقوة وحماسة لكي تتدفق الدولارات في السوق، بينما يطبع أوراقا نقدية جديدة من الدولار بنسبة سنوية 30% على مَرّ الأعوام الثلاثة الماضية وهي نسبة هائلة جدا. ومن جهة أخرى، فإن الحكومة الأمريكية تقدم دعما ماليا بصورة غير علنية لمساعدة صادراتها بينما تضغط على الصين لرفع سعر صرف عملتها اليوان.

"تحتاج اليابان الآن إلى سياسي ثابت الموقف وقادر على اتخاذ السياسة المطلوبة بشجاعة. وهذا هو أكبر المشاكل التي تواجه الاقتصاد الياباني"

في حين أن محافظ بنك اليابان ماسآكي شيراكاوا لا يأخذ أية وسيلة من أجل خفض سعر صرف الين أو منع ارتفاعه. ولو أن بنك اليابان ضخّ الين في الأسواق لما وصلنا إلى حالة ارتفاع سعر الين مقابل تراجع سعر الدولار. ويقول المحافظ شيراكاوا بدون أي تردد "لم أسمع أبدا عن تسهيلات كمية في سبيل خفض سعر صرف الين"، وكما يظهر، ليس عنده أي استعداد في سبيل مساعدة الشركات. وقوله هذا يُدهش جميع محللي الاقتصاد في العالم مما يجعلهم يسخرون منه بالقول "إنه أسوأ محافظ لبنك اليابان في تاريخ البنك".

لقد أعلن المحافظ شيراكاوا في 30 آب/ أغسطس الماضي حزمة من التسهيلات الكمية، غير أنها لم تتلق أي تقييم إيجابي من محللي الأقتصاد داخل أو خارج اليابان. وعلق عليها أحد محللي الاقتصاد تعليقا حادا قائلا "إنها أتت متأخرة وبحجم غير كاف، فهذه الإجراءات غير مفيدة على الإطلاق، بل ارتفع سعر صرف الين عقب إعلان بنك اليابان للإجراءات. وأدرك الجميع بذلك أن بنك اليابان غير ملتزم بالسعي لإضعاف قيمة الين. وبنى بنك اليابان أسسا تشجع ارتفاع سعر صرف الين من خلال قراره الجديد. يا لها من كارثة! أتوقع أن يسير الين في خط متعرج حتى تصل قيمة الدولار الواحد إلى 80 ينا تقريبا. وسوف تتصرف الدول الأجنبية كما تشاء لتستغل هذا الوضع".

وعلى ذلك، فإن الحكومة أيضا لا تأخذ أية تدابير لتنشيط الاقتصاد أبدا مثل خفض ضرائب الشركات وإيجاد المناطق الاقتصادية الخاصة وتخفيض الضرائب على الاستثمارات القادمة من الخارج وتبسيط نظم إنشاء الشركات. وإضافة إلى هذه التدابير يشير محللو الاقتصاد في اليابان إلى أن "تنفيذ إجراءات من قبيل رفع ضريبة الاستهلاك إلى نسبة ما بين 10% و15%، وتحويل نظام إنفاق الميزانية لما يتوافق مع تقلّص عدد السكان وزيادة مصروفات التأمين الصحي والضمان الاجتماعي، ونقل العاملين من صناعة الإنشاءات المنخفضة الإنتاجية إلى صناعات أخرى عالية الإنتاجية، وأيضا تقوية الشركات عن طريق الاندماج، تنفيذ هذه الإجراءات سيؤدي إلى تحسن الحالة الاقتصادية في اليابان بصورة واضحة".

ولغاية الآن كانت حكومات الحزب الديمقراطي الحرّ تتخذ سياسات مقيدة للشركات وهي معاكسة للسياسات المذكورة آنفا، وذلك لأن الحزب كان تحت ضغوط متنوعة من لوبيات ذات مصالح. ولا يظهر أي مؤشر لتغير الوضع بعد تولي الحزب الديمقراطي الياباني السلطة أيضا. ويبدي محللو الاقتصاد خيبة أملهم بالقول "تحتاج اليابان الآن إلى سياسي ثابت الموقف وقادر على اتخاذ السياسة المطلوبة بشجاعة. وهذا هو أكبر المشاكل التي تواجه الاقتصاد الياباني".

وتقترب الأزمة كل لحظة، فقد بلغت ديون اليابان 1.9 مرة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي مسألة وقت لا أكثر قبل أن تتضخم إلى الضعفين. ولا ندري بوجود دولة أخرى تعاني من ضخامة الديون لهذه الدرجة، كما أن الديون تزداد كل سنة بمبلغ 40 إلى 50 ترليون ين. ومن المحتمل أن الشعب الياباني لن يكون قادرا على شراء سندات الدولة بعد خمسة أعوام لأن ممتلكاتهم المالية في منازلهم تنخفض باستمرار. ويحذر تقرير لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من أن اليابان قد تواجه الإفلاس بعد خمس سنوات بسبب عدم تمكنها من دفع فوائد السندات الحكومية.


أ. تاكاشي كوياما  - 小山 貴

أستاذ زائر – جامعة آكيتا الدولية

شغل الأستاذ كوياما المناصب التالية
- رئيس مكتب جريدة سانكي في القاهرة (1986- 1989)
- مراسل الجريدة الخاص في الظهران/ السعودية أثناء حرب الخليج (1990- 1991)
- مراسل الجريدة في واشنطن (1991-1993)
- باحث زائر في معهد الدراسات الدولية المتقدمة (SAIS) في جامعة جونز هوبكينز الأمريكية (2004)
- رئيس تحرير "بوليسي أجندة" الإخبارية

السابقة تعدد حالات فقدان المسنين
  |  الصفحة الرئيسية  |  الأخبار  |  قضية وتحليل  |  آراء يابانية  |  وجهات نظر عربية  |  حقائق حول اليابان  |  حماية الخصوصية  |