الأربعاء 1432/10/1 هـ ـ الموافق 2011/8/31 م

هل يستطيع المواطنون الحكم على القراصنة الصوماليين؟

ناقلة النفط "غوانابارا" التي تعرضت لهجوم من قبل القراصنة

بينما تستحوذ أخبار الزلزال الذي ضرب شمال شرق اليابان وما تبعه من موجات تسونامي على مساحة واسعة وتغطية كبيرة واهتمام شديد من قبل وسائل الإعلام، تقع أحداث من الممكن أن تؤثر تأثيرا كبيرا على علاقات بين اليابان والشرق الأوسط.


في الخامس من شهر مارس الماضي تعرضت ناقلة النفط "غوانابارا" ( باهامية الجنسية) التابعة لشركة ميتسوي اليابانية  للملاحة البحرية لهجوم من قبل القراصنة أثناء إبحارها ببحر العرب قبالة ساحل عمان. اقترب القراصنة من الناقلة بقارب صغير وصعدوا إليها، ثم أطلقوا النار صوب غرفة القبطان ببنادق آلية ودخلوا غرفة القيادة واستولوا على دفة القيادة. بعد ذلك، تم إنقاذ الناقلة من قبل القوات البحرية الأمريكية التي التقطت نداء الاستغاثة، وسلم المتهمون الأربعة لحرس السواحل الياباني. عمال الناقلة هم ٢٤ عاملا من الأجانب ولم يصب أي منهم بجروح. وألقى حرس السواحل الياباني القبض على المتهمين بتهمة الركوب غير المشروع بهدف القرصنة والتخريب منتهكين بذلك قانون مكافحة القرصنة، ثم تم نقلهم لليابان في الثالث عشر من مارس.

قررت النيابة العامة لمنطقة طوكيو بتتغير الإتهام إلى تهمة تستجوب عقوبة أشد وهي الشروع في التحكم في مركبة استنادا لشهادة الضحايا وأقامت النيابة العامة الدعوى ضد ثلاثة من المتهمين الأربعة في الأول من إبريل، وأرسلت إلى محكمة الأحوال الشخصية أوراق المتهم الرابع حيث ترى النيابة العامة أنه من المحتمل أن يكون قاصرا. ولقد تقرر إجراء المحاكمة بنظام هيئة المحلفين، لأن عقوبة التهمة السابق ذكرها هي السجن مدى الحياة أو السجن لمدة أكثر من ٥ سنوات. نظام هيئة المحلفين هو نظام ياباني يشارك بموجبه مجموعة من المحلفين يتم اختيارهم عشوائيا من المواطنين القاضي في المحاكمة حيث يتم إصدار الحكم بالبراءة أو بالإدانة وتقرير مدة العقوبة أيضا في حالة الإدانة في محكمة جنائية خاصة. ويهدف هذا النظام إلى زيادة الثقة بالنظام القضائي من خلال الاستفادة بمعلومات المواطنين العامة وحسهم العام في المحاكمة.


هذه الدعوى هي الأولى التي ترفع بتهمة انتهاك قانون مكافحة القرصنة. وقع هذا الحادث على بعد ١٠ آلاف ميل من السواحل اليابانية والجاني والمجني عليه في هذه القضية أجنبيا الجنسية. القراصنة الأربعة يتحدثون اللغة الصومالية ولكن بسبب استمرار الحرب الأهلية في الصومال، لا توجد أي وثائق تثبت هوية المتهمين ولذلك رفعت الدعوى بدون إثبات جنسية أو تاريخ ميلاد أو وظيفة المتهمين. أحد المتهمين يشك في أنه قاصر وذلك لتضارب أقواله أثناء التحقيق. ولم يتسنى للمحققين معرفة هجاء أسماء المتهمين، فقد أخذت أسماء المتهمين شفهيا ولا يعرف المحققون اسم المتهم من كنيته. كما نرى فإن هذة القضية هي قضية استثنائية في كل أبعادها وعلى المواطنيين العاديين، الذين تم إختيارهم ليكونوا هيئة المحلفين، المشاركة في المحاكمة.

تم إقرار قانون مكافحة القرصنة في شهر يوليو عام ٢٠٠٩ لمواجهة هجمات القراصنة المستمرة في المياه الصومالية. هذا القانون هو أساس إرسال قوات الدفاع الذاتي البحرية لحماية حركة الملاحة البحرية بخليج عدن، فمن خلاله يمكن إطلاق النار على سفن القراصنة لإيقافها أو لحماية السفن الأجنبية. وبذلك يعد هذا القانون من أكثر  القوانين أهمية في تاريخ القانون الياباني منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.


ولكن لا يقتصر دور هذا القانون على مكافحة القرصنة فقط، بل يعد قانونا فريدا حيث يسمح بمعاقبة القراصنة استنادا لأحكام قانون البحار. القرصنة هي "عدو مشترك للبشرية" ومكافحة القرصنة وفقا للقانون الدولي العرفي هو واجب على كل دولة كما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واتفاقية أعالي البحار. ولكن اضطرت القوات البحرية لكل دولة في بداية الأمر إلى أخذ أسلحة القراصنة وإطلاق سراحهم بعد القبض عليهم في المياه الصومالية، وذلك لأن أغلبية الدول الموقعة على الاتفاقية لم تقم بإعداد قانون داخلي لتحديد عقوبة جريمة القرصنة. ولهذا السبب فقد تمت ترجمة قانون مكافحة القرصنة الياباني للغة الانجليزية، وتتم دراسته بالمجتمع الدولي على نطاق واسع.


ولكن بالرغم من أن اليابان تكافح القرصنة مستندة في ذلك على النظام القضائي، إلا أنها لم تقم بإصدار حكم بعقوبة حتى الآن. قبل ٢٠٠ عام كانت تقطع عادة رقاب القراصنة وتعلق على مداخل المدن بعد القبض عليهم، أما في عصرنا هذا حتى القراصنة لابد من الحفاظ على حقوقهم الإنسانية ومن مسئولية السلطة التي تلقي القبض عليهم شرح هذه الحقوق. عقوبة القرصنة هي حقا أكثر الأمور صعوبة في قضية القرصنة في القرن الواحد والعشرين.

نقل المتهمون الأربعة إلى طوكيو

تفبد الأخبار أن القراصنة المتهمين قالوا إن سفينتهم تحطمت واقتربوا من الناقلة طالبين المساعدة وينكرون بذلك أساس التهمة وهو "هدف السيطرة". ولذلك فعلى النيابة تقديم لهيئة المحلفين ما يدل على حجم الضرر بشكل موضوعي كإطلاق القراصنة للنار. ومع ذلك، فإن هذه المحاكمة قد تواجه الكثير من التحديات.


أولا، مشكلة الترجمة. على النيابة إحضار مترجما قانونيا للغة الصومالية.


ثانيا، من المحتمل أن تكون المسئولية الجنائية وعمر ثلاثة من المتهمين محل جدل. بالفعل في إحدى المحاكمات بألمانيا لم يسئل متهم بالقرصنة جنائيا لأنه ادعى أن عمره ١٣ سنة.


من الأمور الهامة أيضا هو ضمان إدلاء الشهود بشهادتهم. النيابة العامة قامت بالفعل بأخذ شهادة عمال الناقلة المجني عليهم، ولكن من الضروري إحضار العمال الأجانب إلى اليابان لاستجوابهم أثناء المحاكمة.


بالإضافة إلى ما سبق، يبقى التحدي الأكبر والمتمثل في مدى قدرة النيابة على كشف دوافع المتهمين. الدوافع وراء تحول صيادي الصومال الفقراء إلى قراصنة هو تلوث مياه صيدهم من خلال  قيام سفن أجنبية بالصيد غير المشروع وقيام الشركات الأجنبية بإلقاء المخلفات السامة، بالإضافة إلى استغلال العصابات الإجرامية المتواطئة مع السلطة للصيادين الفقراء. وفي إطار محاولة فهم دوافع المدعى عليهم في هذه المحاكمة، سيصبح تعمق هيئة المحلفين في أصل مشكلة القرصنة بما يسمح بوجود مجال للتساهل موضع تساؤل.

 
في بداية الأمر، عند تشريع قانون مكافحة القرصنة لم يأخذ في الحسبان محاكمة القراصنة بمحاكمة يشارك بها هيئة المحلفين. القراصنة الصوماليين مستمرون في توسيع نطاق أنشطتهم، فتجاوز بحر العرب في الآونة الأخيرة وأصبح لهم وجود في البحار حتي المياه الإقليمية الهندية، كما لو أنهم ليسوا قراصنة المياه الصومالية بل قراصنة بحر الهند. ومن المحتمل أن تتم محاكمة قراصنة صومالية باليابان في المستقبل أيضا. فلذلك لا ينبغي تهميش مشكلة القرصنة باعتبارها مشكلة تحدث في بحار بعيدة عن اليابان بل من الضروري القيام بحوار وطني بشأنها.


د. تيتسو كوتاني  - 小谷哲男

زميل باحث - معهد بحوث اوكازاكي، منظمة غير ربحية
باحث – معهد البحوث في السلام والأمن
مستشار دولي – معهد مشروع 2049 في واشنطن

حصل على درجة الدكتوراه من جامعة دوشيشا، كيوتو
عمل في مركز الدراسات والتعاون بين أمريكا واليابان – جامعة بندربيلت في أمريكا
حاصل على جائزة مدير عام لوكالة الدفاع الياباني سنة 2003

السابقة خفر السواحل الياباني: "الأسطول البحري...