الأربعاء 1430/12/22 هـ ـ الموافق 2009/12/9 م

على رأي المثل!

"قرد" أم "جواد"؟ لا يختلف الأمر كثيراً

حتى القرد يقع من فوق الشجرة أم لكل جواد كبوة ؟

لكل بلد أمثالها الشعبية التي تكون بمثابة مرآة تعكس جوانب المجتمع و سمات شعبه

لكل بلد أمثالها الشعبية التي تكون بمثابة مرآة تعكس جوانب المجتمع و سمات شعبه . و بسبب وجود الكثير من السمات البشرية و المفاهيم المشتركة بين الكثير من الشعوب ، نجد الكثير من التشابه بين ما يعبر عن ذلك من أمثال . و لكن بالرغم من تشابه معنى المثل و مفهومه بالبلاد المختلفة، يختلف الأسلوب و الكلمات التعبيرية، مما يعكس لنا اختلاف اهتمامات و ثقافات المجتمع .
تعجبني الأمثال اليابانية كثيراً، في تعبيراتها الغير مباشرة و لشعوري في بعض الأحيان بتقارب بينها و بين الفكر العربي.

عندما كنت في عامي الأول من دراستي للغة اليابانية، كنت حريصة على حصولي على أعلى الدرجات-إن لم تكن النهائية- في اختبارات اللغة اليابانية . و في إحدى الإختبارات،لم أحصل على النتيجة المتوقعة. فأصبت بإحباط لم استطع إخفاءه، مما دفع أستاذتي على تشجيعي، فقالت:
"حتى القرد يقع من فوق الشجرة" [猿も木から落ちる] .
لم أكن حينها في حالة نفسية تسمح بتوقع معنى كلماتها. فاندهشت مع إحباطي، و عندها بدأت تفسير قولها.

" القرد من أشهر الحيوانات بمهارته في تسلق الأشجار، فهو جزء من حياته . يتسلق الشجر ليأكل، ليهرب، ليلعب، ليسترخي، ليستجم مع أسرته، و غير ذلك من الأنشطة الحياتية . هذا القرد الذي يعيش جزء كبير من حياته بين فروع الأشجار بحركاته الأكروباتية، يقع أحيانا من فوقها ! أي أن، "حتى من يتقن شيء، لا يسلم من الخطأ" ".
عندها تذكرت مثلنا العربي " لكل جواد كبوة "، و الذي يحمل نفس المعنى مع اختلاف الحيوان الممثل له.

عند إلقاءك نظرة على الأمثال اليابانية، تجد ظهور الكثير من الحيوانات على مسرحها. فيقال أن من أكثر الحيوانات ظهوراً، الجاموس، الحصان، الكلب، القط، القرد إلخ، و كثير من مظاهر الطبيعة، كالمطر ، الأرض،الأنهار، المياه، إلخ.
على خلاف ذلك، نجد قلة ظهور الحيوانات بصورة نسبية في الأمثال العربية . ففي كثير من الأحيان،تُستخدم أساليب الأمر و الشرط، كـ " كن~"، "إن كنت ~"،"إذا أردت~"، أو أساليب مخاطبة، أو ظهور الإنسان كمحور المثل، كقول "الإنسان~" ، أو "المرء ~" ، و صفاته كـ "الجبن ، الشجاعة، العلم ، الجهل " فتكون الرسالة الموجهة خلال المثل أكثر مباشرة من مثيلاتها اليابانية ، التي تعتمد على غير مباشرة الرسالة ، فتقل بها هذه الأساليب .
لن أتطرق هنا عن سبب اختلاف هذه الأساليب اللغوية، و لكن لا يوجد شك في اختلاف مكانة و نظرة كل مجتمع للحيوانات التي يحتك بها. أي أن النظرة العربية للجواد (أو الخيل) و القردة مثلاً، تختلف عن مقابلها الياباني .

"دعاء في أذن حصان"
خلال بحثي في الأمثال اليابانية، وجدت مثلاً يشيه إلى حد كبير المثل العربي

فـ "القرد"، يمثل "الهزل، الذل، كثرة الحركة، التقليد" و غيرها من الصفات المشتركة بين الكثير من الثقافات. يقل ظهوره في الأمثال العربية العامة، إلا أننا نجده على مسرح أمثال بعض البلاد العربية "يا آخذ القرد لماله، بكرة يروح المال و يبقى القرد على حاله" ، أو "القرد في عين أمه غزال" .
ما أجريت حصراً على الأمثال العربية التي يظهر فيها حيوان "القرد" و لكن ما التقيت به لم يعكس لي ضوءاً إيجابياً. بالرغم من استخدام كلمة "قرد" لوصف إجادة شخص لشيء ما، كما يقال في العامية المصرية "فولان قرد في الكومبيوتر" مثلاً، أي يتقن كل ما يخص هذا المجال أكثر من غيره. إلا أن مثل هذه التعبيرات حديثة نسبياً، لا تعكس فكر أو ثقافة .

أما في اليابان ـ إن صح ما قرأت ـ احتك الإنسان بحيوان القرد منذ زمن بعيد، أكده وجود فصيلة يطلق عليها "القرد الياباني (باليابانية: نيهون زارو)" فصيلة قرود برية تعيش في جزر "هونشو، شيكوكو، كيوشو". و يظهر القرد على شاشات الأساطير و القصص اليابانية المنبت أو القادمة من الصين.
يمكن القول ـ و ليس الجزم فيه ـ أن وجود هذا الاحتكاك أدى لتعرف الإنسان على عدة أوجه لهذا الحيوان، ليستخدمه في الكثير من التعبيرات ، منها السلبي و منها الإيجابي. فالإيجابي مثل ما قدمت في بداية حديثي،"حتى القرد يقع من فوق الشجرة" [猿も木から落ちる] .
و غير ذلك كـ "تقليد القرد للإنسان" [猿の人まね] ، أي تقليد أعمى دون تفكير. و غيرهما.

أما الـ "جواد"، فـنظرة العرب و إظهاره لها في الأمثال ، لا تعكس إلا تصويرها لـ "الأصالة، الجود ، العظمة " و غيرهم من الصفات الإيجابية، مما يدل على عناية و اهتمام العرب بها. فلم يكن مجرد احتكاك، بل و ارتكاز العديد من أوجه الحياة عليها.
هنا أيضاً تختلف النظرة اليابانية ـ عما سبق ـ لتعبر في أمثالها عن الركوب أو الرحيل بواسطة الخيل ، كالقول، "جهز الخيل للركوب، حتى إن أمطر الصباح" [朝雨馬に鞍置け] ، أي أن أمطار الصباح سريعة الزوال، فلا تتأثر بها و استعد للرحيل. هنا، لا يتعدى تمثيل الخيل إلا لـ "الرحيل".
أحياناً تكون النظرة إيجابية، فيقال، " غَيَّر الركوب من جاموس لفرس "
[牛を馬に乗り換える] ، أي التغيير لأسلوب (لطريقة) أفضل و أكثر فاعلية. لا سيما ، ظهور المعنى الإيجابي هنا يأتي من المقارنة بـ "الجاموس" .
و أحيانا تكون سلبية. فيقال مثلاً: "دعاء في أذن حصان" [馬の耳に念仏] ، أي أن الحصان لا يستجيب مهما سمع من دعاء أو نداء. فيقال عند عدم استجابة شخص للنصح و الإرشاد. و كذلك تشبيه الشخص بـ "عظام الحصان" [馬の骨] يعني "عدم معرفة اصله و فصله"!

خلال بحثي في الأمثال اليابانية، وجدت مثلاً يشيه إلى حد كبير المثل العربي، " لكل جواد كبوة" ، يقول " تعرقل الفرس الأصيل "، يحمل نفس المعنى. [龍馬の躓き] . إلا أن الكثير من أصدقائي لا يعرفون هذا المثل لقلة استخدامه.
هناك أيضاً رأي طريف يقول: " إن الأمثال التي تعكس صور سلبية للحصان كـ "دعاء في أذن حصان" [馬の耳に念仏] و غيره، ظهر بعد عصر "ميجي"، عندما بدأ الإنسان في استخدام الحصان كوسيلة لقضاء أغراضه و ليس كـ "شريك" -باختلاف ما سبقه من عصور- و أصبحت النظرة له كـ "حيوان يعمل كثيراُ بدون تفكير و ما يهمه إلا الأكل بعد التعب، مهما وجه له من أوامر ". و عندها ظهرت هذه الأمثال التي تعكس صورة حيوان لا يصغى لما يقال له.

بالرغم من عدم إيجابية صورة "القرد" في فكرنا العربي ، إلا أنني سعدت بتشجيع أستاذتي لي، و تشبيه حالتي بهذا المثل، فما اختلف الأمر كثيراً "قرداُ" أو "جواداً"، و هان ما أحاطني من إحباط بعض الشيء!


إباء حسن  - ハッサン エバ

منسقة المشاريع - صندوق ساساكاوا المالي لدول الشرق الأوسط الإسلامية
السابقة ما لونك المفضل؟