الثلاثاء 1431/1/5 هـ ـ الموافق 2009/12/22 م

أيدي ناعمة تتحدى الآلات

- أكيكو كانِكو، مثال فعلي للإخلاص في العمل!

أيدي ناعمة تتحدى الآلات/ تصوير إباء حسن

ترى ما سر احتفاظها بقوة وجودها في اليابان، مبدعة الآلات وأحدث تكنولوجيا ؟

ترى كيف يُنظر للمهن الحرفية أو الصناعية في مجتمعاتنا  العربية؟
أعتقد أن النظرة ليست واحدة في جميع البلاد، كما تختلف حسب كل منطقة داخل نفس البلد. فمثلاً تختلف النظرة في القاهرة عنها في محافظات الدلتا، التي تتقدم فيها صناعة الأثاث وينبغ فيها المهنيون، ويُصدّر الأثاث المصري إلى الخارج. فينظر للعامل أو الفني ليس بنظرة الباحث عن المكسب السريع واستغلال الموقف للحصول على ما يريده من مكسب، بل ينظر له كمتمكّن من مهنته التي شب فرأى والده وجده يعملان فيها فورثها عنهما. وتكون درجة الثقة به وبعمله أكثر ممن بدأ العمل دون دافع سوى البحث عن الرزق مثلاً.
ولكن، ترى هل سيكون لهؤلاء المهنيين نفس هذه المكانة مع دخول أحدث الآلات، وإمكان الآلة من إتقان كل ما يجيده العامل، بل وتتفوق عليه، وتنافسه برخص أجرتها ؟
لا أستطيع الجزم في الإجابة على هذا التساؤل، لكني التقيت بمثال يندر وجوده في المجتمع الياباني، ولا أعرف إمكانية وجوده في البلاد العربية.

هي يابانية تعمل في مجال فن صياغة الحلي. أتيحت لي فرصة مقابلتها، وقد استمتعت بهذه المقابلة كثيراً.
حدثتني عن بداية عملها، و ما تواجهه من أزمات وتحديات. حيث دخلت عالم فن صياغة الحلي، ليكون وجودها في هذا المجال أمرا نادرا. هذه المجالات الدقيقة التي انتشرت فيها الآلات اليابانية ذات الصيت العالمي والتي تعمل إلكترونيا دون الحاجة لبشر بعد تحديد البرنامج وتحميله عليها.

تظهر "أكيكو كانِكو ( 45سنة)" وسط الآلات لتتحداها وتجبر عملائها على تجاهل الآلات واللجوء لأيديها الصغيرة الناعمة!

تبدأ عملها من سبائك أو شرائح معدنية، لتصوغ منها ما يمكن من حلي، والتي تلجأ في صناعتها إلى بعض الآلات البدائية، لصهر المعادن وصبها وتبريدها، إلخ. فهذا الأسلوب من الصناعة، يختلف تماماً عن الاعتماد على الآلة، في الجهد والتكلفة.

ولكن، ترى ما سر احتفاظها بقوة وجودها في اليابان مبدعة الآلات التي تفخر بأعلى تقنية على المستوى العالمي؟ فسألتها:

ما سبب اختيارك لهذا العمل؟

ألا يرهبك تطور هذه الكتل الحديدية، فتلتقط رزقاً كان على وشك دخول فمك؟
من المحتمل. ولكن من وجهة نظري، الآلة يصنعها الإنسان من أجل أن يستخدمها. فلا ينبغي أن نجعلها هي صاحبة السيطرة. من أجل ذلك ،أركز دائماً في عملي على الأعمال التي تبدعها يد الإنسان .

نعم، ولكن احك لي بدايةً، ما سبب اختيارك لهذا العمل؟
في الحقيقة أنا لا أعرف من اختار الآخر! ولكن بكل بساطة، أنا ورثته عن والدي . 
والدي كان يعمل في هذا المجال. كنت أراه منذ طفولتي يصوغ المعادن ويصنع منها الحلي. فأستطيع القول بأني أحببت هذا العمل قبل الاحتكاك به عملياً.
بالطبع تشجيع أبي لي كان له تأثيرٌ كبيرٌ في قراري بالعمل في هذا المجال، وقد علمني الكثير بكل سخاء.

و هل أردت منذ البداية أن تعملي في هذا العمل؟
كان حلمي أن أكون مدرسة ألعاب رياضية أو ضابطة شرطة حتى المرحلة الثانوية. ولكني لم أستطع تحقيق ذلك لعدم كفاءتي البدنية.

هل الكثير من النساء يعملن في هذا المجال؟
هناك نساء يشتغلن ببعض مراحل الصياغة، ولكن ما سمعت عمّن تصوغ الحلي كلياً منذ مراحلها الأولى حتى النهاية -أي حتى يصبح بإمكانك التزين بها- يدوياً.

شغل يدوي بالكامل... من أعمال أكيكو


أردت التأكد، فسألت إحدى العاملات بالمجال وهنا أدركت أن "أكيكو كانِكو"  تمثل وجوداً نادراً للمرأة في هذا المجال، حيث تقوم بصناعة الحلي وصياغتها يدوياً بداية من أولى مراحلها-أي كونها ألواح معدنية- حتى وضعها في الشكل النهائي– أي شكل عرضها بالمحال. 

هل هناك أشياء تشعرين فيها بتفوق "الرجل" عليك؟
يجب أن أكون صادقة. بالفعل هناك. القوة العضلية مثلاً.

كنت أعتقد أن عملك يحتاج فقط للتحكم في يديك. هل أنت بحاجة إلى قوة عضلية؟
بالطبع!
تأتي معادن الذهب والفضة والبلاتين على هيئة ألواح رقيقة،سمكها لا يتعدى 3مم. نقوم بطيها يدوياً لتحضيرها للصهر. فهذه المرحلة من أصعب المراحل بالنسبة لي، فتأخذ مجهوداً كبيراً ووقتاً أكثر مما يستغرقه الرجل .
وهل - على العكس من ذلك – هناك أشياء تتفوقين فيها على الرجل؟
أعتقد ذلك. فعميلاتي السيدات يأتين لشعورهم بالراحة وعدم الحرج في الحديث معي، لكوني سيدة مثلهم. يمكنني فهم ما يقولون أكثر من غيري،
وأستطيع الرؤية من وجهتهم. فكثير من عملائي السيدات، أتين إلي بعد فشلهم في التفاهم مع الجنس الآخر.
ما أصعب ما يقابلك خلال عملك؟
أصعب شيء هو تنفيذ ما رسم على الورق. ليس لأنه صعب ولكن أحيانا صورة الشيء تختلف عن واقعه. فعند وضعه على أرض الواقع تظهر أشياءاً لم تكن في الحسبان!

ما هي مساوئ العمل في هذا المجال، من وجهة نظرك؟
لم يسبق لي التفكير في المساوئ! لكن يمكن القول أنه غير مستقر، مفاجئ، لا يمكن تخيل النتيجة إلا بعد ظهورها، مرهق...إلخ

لو لك أخت ، هل
بالطبع أصنع لها الكثير من الحلي

(ضحكتُ) ليتني كنت أختك! لا أعني ذلك. هل ترشحيه لها؟
ليس عندي أخوات، ولكن إذا وجدت عندها الرغبة، سأشجعها وأعلمها الكثير. ولكن عند التفكير في مشاق هذا العمل، لا أعرف... سؤال صعب.

ما الذي استفدتيه من عملك هذا؟ هل غير بك شيء؟
كنت تحت سيطرة الكادر الوظيفي لأكثر من 20 عاماً ثم رحلت بعدها  مستقلة. بالطبع تغيرت بي أشياء كثيرة، ففي الشركة كنت أعمل في مؤسسة تضم أفراد كغيرها من المؤسسات، نساعد وننقذ بعضنا البعض وقت الحاجة. ولكن الآن... كل شيء يجب أن يكون بيدي وبنفسي.
أي يمكن القول بأن أهم ما تغير بي هو قوة إحساسي بالمسؤولية تجاه العمل، وتجاه كل خطوة أتخذها.

احك لي عن أكبر فشل، وأكبر نجاح قابلتيهما.
أكبر فشل قابلته كان عندما كسرت حجراً طبيعياً فاخراً عند تركيبه في بعض الحلي. في الحقيقة، لم يكن خطئي، بل كانت الجهة التي أطلب منها إجراء مثل هذه الأعمال الصغيرة عند انشغالي. لم يكن أمامي سوى الركوع والاعتذار الشديد والتخلي عن أجرتي تماماً.
في عالم الشركات والأعمال اليابانية، عند حدوث مثل هذه المشاكل تُوضَع الجهة المسببة للتلف - بغض النظر عن كبر حجمه أو صغره - في القائمة السوداء ، و لا تُكَلف بأية أعمال من نفس الجهة، إن حسن حظه . أما إن ساء، فينتشر اسمه في القوائم السوداء بالشركات الأخرى. ولكن وجود علاقة ثقة قوية بيني وبين عملائي منذ عملي بالشركة، جعلهم يتغاضون عن هذا الخطأ و الذي كان كبيراً، على اعتبار أن "حتى القرد يقع من فوق الشجرة" !
أما أكبر نجاح فهو، حفاظي على مستوى الصياغة بغض النظر عن حالتي النفسية أو البدنية أو العملية، و ذلك أصعب مما تتخيلين، و هو في نفس الوقت من أهم عوامل حفاظي على عملائي و ثقتهم بي. كما يكون من أهم نقاط القوى بالآلات.

تخيلي ،إذا عرض عليك إمكان تحقيق حلمك الأول، أي عملك كمدرسة ألعاب رياضية أو ضابطة شرطة، فماذا تختارين ؟
(ابتسمت و قالت) ُأسأل هذا السؤال كثيراً، و خاصة من أشخاص في نفس مجالي. فأقول دائماً "أختار عملي الحالي".
تعرضت في فترة من الفترات للكثير من الأزمات التي توالت في نفس الوقت. ولكن بالرغم من ذلك لم أترك عملي ولم أفكر في ذلك ولو للحظة، رغم قدرتي على تغيير المسار . فهل هذا يعني أني أحب هذا العمل؟

أعتقد أنه لا يعني سوى ذلك. كما أعتقد أن عدم لياقتك البدنية كانت من حسن حظك. ولكن قولي لي، هل هناك ما تحرصين عليه دائماً خلال عملك؟ سواءاً كانت أشياء يومية أو أسبوعية. ما هي هواياتك؟
في الوقت الحالي لا يوجد ما أحرص عليه بصورة دورية، سوى تسليم طلبات الحلي في موعدها.
أما وقت عملي بالشركة، كنت حريصة على أن أكون أول موظف يضع أرجله بالشركة. فاعتدت أن أصل قبل ميعاد بدء العمل بأكثر من ساعة ونصف تقريباً.
عملي هو هوايتي.

هل هناك أشخاص تتطلعين إليهم؟
ماذا تعنين بـ " التطلع " ؟  لا ينبغي أن نكون مجرد نسخ للوصول إلى ما نصبو إليه، أو ننجح بتقليد الآخرين.
بالطبع هناك من أحترمهم و أحترم عملهم من سلفي في العمل.

عند إجابتها هذه، تذكرت حزني عندما شاهدت أطفالاً ظهروا في برامج تلفزيونية يقولون أحلامهم المستقبلية بأنهم يريدون أن يصبحوا - ليس مثل، بل -  اللاعب الفولاني أو المغنية الشهيرة، نفسهما. و تمنيت في نفسي لو تتعلم تلك الأطفال شيئاً من إجابة أكيكو.

احك لي عن طريقك حتى وصلت إلى محطتك الحالية.
(تنهدت لطول مشوارها، ثم قالت)
بدأت كموظفة في إحدى شركات صياغة الحلي. كنت في العشرين من عمري. بدأت بتقديم المشروبات للعملاء، ولكني كنت أستغل أوقات الراحة والغداء في تعلم الصياغة، حيث تخلو لي ورش الصياغة الملحقة. فأنظر إلى الحلي في جميع مراحل صياغته، وأستفسر من رؤسائي عما لا أستطع فهمه. بعد مرور سنوات و سنوات بدأت الشركة في تدهور حالتها المالية، ولم نستطع الحصول على مرتباتنا. بدأت الشركة في الاتجاه إلى إعلان إفلاسها وانقسم الموظفون لفريقين: فريق أنهى خدمته للبحث عن عمل آخر، وفريق يحضر للعمل ولا يعمل لعدم حصوله على مرتب مقابل عمله.

(قاطعتها) ومن أي قسم كنت ؟  
لم أنضم لأي الحزبين. فهناك أشخاص في انتظار التزين بحليهم، وعملاء ينتظرون تسلم الحلي لعرضها بالمعارض أو بيعها بالأسواق، وغيرهم. إن انضممت لأيهما هذا يعني توقف الحركة في عدة جهات لا علاقة لها بتدهور اقتصاد الشركة.
واظبت على كل من "الحضور و العمل" ، كنت تقريباً العاملة الفعلية الوحيدة بالشركة. استطعت تسليم العملاء حليهم في المواعيد المقررة، بالرغم من عدم حصولي على المرتب كغيري من الموظفين. استمريت فترة على هذا الحال، ولكني قررت الاستقلال بعد طول تفكير. استعددت لإقامة هذه الأتيليه وبدأت العمل المستقل منذ أربع سنوات. لم تك بداية وردية! لقد واجهت الكثير من العراقيل، فكنت أشعر بعض الأحيان بأنني تسرعت في الاستغناء عن عجلات المساندة ( أي الاستقلال في العمل )، و لكن عندما تزول الأزمة تزول الآلام.

ماذا تفعلين أيام عطلتك؟
(بدون تفكير)
أعمل! من الصعب الحصول على إجازة وخاصة بعد الاستقلال.
ولكن إذا تكمنت من الفوز بوقت أستغله كما شئت، فسأقديه مع أشخاص يهمني أمرهم و يهتمون بي. ما أجمل قضاء أوقات مع من أحب!

سؤال شخصي، إذا ما أردت الإجابة عليه، يمكنك تجاهله.
لِمَ لم تتزوجي حتى الآن؟
"الزواج" و "الحب"... مختلفان. وهناك نصيب وميعاد لكل شيء. ليس أكثر ولا أقل.

هل هناك سؤال كنت تتوقعيه و لم أسأله؟
(بعد تفكير)
أردتك تسأليني "لِمَ تعملين"؟
بالطبع من أجل كسب العيش، ولكن ليس هذا هو الجوهر.
هدفي في العمل هو إسعاد الآخرين. فكما تعلمين الحلي تختلف عن الدواء والماء، أي أساسيات الحياة، فلم يوجد ما أرغمك مثلاً على لبس هذا السوار. ما أريده هو أن أجعل من يلبس الحلي يشعر بالسعادة. المعادن سواء كانت ذهباً أو فضة، باردة – مقارنة بحرارة الجسد. وما أصبو إليه هو، شعور من يلبسها بالدفء.

إذاً، دعيني أسألك..هل تحرصين على شيء خلال العمل من أجل تحقيق هذا الهدف (أي دفء الحلي البارد ة في واقعها)؟
أفكر في من أحب من معارفي وعائلتي عند صياغتي للحلي، أو أتخيل أني أصنع هذا الحلي من أجله أو من أجلها. هل سيعجبه التصميم؟ هل سيؤلمها الخاتم عند لبسه؟
ولعل هذا هو سبب استمراري ومثابرتي في عملي.

بالرغم من معاناة الكثير من الشركات اليابانية من أزمات اقتصادية، وإعلان العديد من الجهات - كالمصانع والشركات، بما فيها من ورش تصنيع الحلي- إفلاسها. لكن أكيكو أكدت نجاحاً في الابتعاد عن مثل هذه المعاناة .

في وقت بسيط، قدمت لي شرحا سهل الفهم عن أمور معقدة إلى حد كبير،  من خلال حديثها البسيط ذو الطابع الفكاهي.

أكيكو أسعد بمعرفتها وأتعلم منها الكثير.
وعدتني بمساعدتي في تجربة صناعة حلي بسيطة بنفسي -في المستقبل القريب- عندما أبديت لها شغفي بعملها.

بالرغم من بلوغ اليابان للمركز الأول في كفاءة آلاتها والأول أيضاً في تصنيع الآلات (حسب إحصاء مجلة الأعمال الرقمية "ويب ماسترز" و "ويكيبيديا")  إلا أنّه ما زالت للأيدي الناعمة العاملة بريقها وجاذبيتها.
لقائي مع أكيكو كانِكو كان لي بمثابة مثال فعلي لرؤية أهمية التوازن بين الإحساس بالمسؤولية تجاه العمل والارتباط العاطفي به، و كذلك الإخلاص في العمل دون انتظار مقابلا منه، حتى و لو كان "الأجرة" أي المقابل البديهي لمن يعمل- فيصعب تنفيذه على أرض الواقع .  ولعل هذه العوامل كانت بمثابة عجلات مساندة لانتصار يديها الناعمتين وأصابعها الرفيعة على الكتل الحديدية الضخمة.

أكيكو, نتمنى لك دوام محافظتك على عملائك، وانتصارك الدائم على الآلات.


إباء حسن  - ハッサン エバ

منسقة المشاريع - صندوق ساساكاوا المالي لدول الشرق الأوسط الإسلامية
السابقة على رأي المثل!