الأربعاء 1431/3/10 هـ ـ الموافق 2010/2/24 م

بدء عام ووداع عام على الطريقة اليابانية

- الحلقة الثانية

يزور اليابانيون معابدهم في بداية العام / تصوير إباء حسن

تزدحم المعابد الشينتوية بالأفراد والعائلات، خاصة في الأيام الثلاثة الأولى، حيث يتمنى الزوار مرور العام الجديد بأمان وصحة،

あけましておめでとうございます

حكيت لكم في المرة السابقة عن حركة اليابان في آخر شهر من العام وعن كيفية التحضير وبدء الاستعداد للعام الجديد. وفي هذه الحلقة، سأحكي لكم عن كيفية استقبال العام الجديد، وأهم ما يقام في بداية العام من طقوس و استعدادات.
 انتهيت في "الحلقة الأولى" بحديثي عن تناول وجبة المعكرونة اليابانية "توشيكوشي-سوبا" في عشاء رأس السنة، واستقبال الدقائق الأولى من العام الجديد بدقات المعابد البوذية، وعددها 108. التي يعم السكون بعدها...

تبدأ أول أيام العام الجديد بعطلة العام الجديد، في المدارس والشركات وأغلب المحال التجارية. وكما كان هناك طقوس لوداع العام، فيوجد الكثير من أجل استقباله، ألخص أهمها فيما يلي:-

طعام الـ "أوسيتشي" osechi-ryouriお節料理
يستقبل اليابانيون أول أيام العام الجديد بتناول طعام الـ "أوسيتشي".  طعام يعد خصيصاً لتناوله في أول أيام العام.
أصله:
يقال أن كلمة "أوسيتشي" أصلها كلمة " أوسيكُّو (お節句osekku)، وهو اسم شامل يطلق على طعام يتم تناوله أو تقديمه للآلهة في أيام مواسم العام الخمسة، وهي: 7يناير/كانون الثاني، 3 مارس/آذار، 5 مايو/أيار، 7 يوليو/تموز، 9 سبتمبر/أيلول. ولكنه تحول ليصبح اسماً يطلق على طعام أهم أوقات العام ، أي وقت دخول العام الجديد.
ويتميز بجودة حفظه لفترة طويلة نسبياً، حيث تعده ربة المنزل مسبقاً، لعدم القيام بالأعمال المنزلية، أي أن الهدف منه هو نيل ربة المنزل قسط من الراحة مع أفراد الأسرة، والاستمتاع بالتجمعات الأسرية.

من أعلى يمين، نيشنمئ، غومامئ، ثم كازونوكو (الأسفل)

ولكنه في الأصل ذو معنى ديني. فما ينبغي إصدار أصواتا مزعجة أثناء القيام بالأعمال المنزلية من طبخ وغيره في هذا الوقت من العام أي وقت استقبال الآلهة-كما كانوا يعتقدون، ولكن هذه المعاني الدينية قد تلاشت، حتى أن الكثير من اليابانيين لا يعرفون أصله، أي معناه القديم.

فيما يخص مكونات الـ "أوسيتشي"، فهي يابانية تقليدية تحمل معاني تتركز في التمني بطول العمر واستمرار الرغد والحفاظ على النسل . ولا تأتي هذه الأمنيات في معاني الطعام أو مكوناته ، بل ترتبط بشكل أساسي بصوت الكلمات وأسماء مكونات الطعام، كما سنرى لاحقاً .


تختلف مكوناته من منطقة / محافظة لأخرى ،ولكن سأقدم ما هو عام و مشترك .

المكوناتالاسمالتمنيالسبب
السردين المجفف غومامئ gomame ازدهار الزراعة عامة و الأرز خاصة في الماضي كان سمك السردين يخلط مع سماد حقول الأرز.
بطاريخ(بيض) سمك الرنجة كازونوكو kazunoko خصوبة النسل وكثرة الأحفاد لكثرة البيض بهذا النوع من السمك، و كذلك للتفاؤل باسمه، حيث أن كلمة "كازو" تعني عدد، و "كو" تعني طفل ، لذلك يعطي اسمه إيحاءاً بـ "كثرة عدد الأطفال".
البطاطا المهروسة كينطون kinton غنى المال و الورث يكتب المقطع الأول من هذه الكلمة أي "كينـ" بالحرف الصيني الذي يعني "المال".
الفول الأسود كورومامئ kuromame الجد و الاجتهاد "مامئ" أي المقطع الأخير يعني "الفول"، لكنه يتشابه في صوته مع كلمة "مامئ" التي تعني "الجد"
ملفوفات الأعشاب البحرية كونبوماكي Konbumaki السعادة يتفائلون بها بسبب وجود شبه بين كلمة "يفرح" أو "يسعد"yorokobu، و بين مقطعها الأول "konbu" .
الخضروات المطهية نيشيمئ nishime تماسك أفراد الأسرة تقطع الخضروات قطعاً كبيرة و تسلق. كلمة nishime تعبر عن الترابط الأسري.
الجمبري إبي ebi طول العمر عندما يتعرض الجمبري للحرارة، سواء بالسلق أو بالشي، ينحني ساقه. فـ "انحناء الساق" يلمح إلى طول العمر.
سمك الشبوط تاي tai المباركة و السعادة يكون للمقطع الأخير من كلمة medetai التي تعني شيء "مبروك" –أي "تاي"- هو نفس صوت اسم هذا النوع من الأسماك.
أورانج (البرتقال المالح) دايداي daidai رخاء الأجيال يشترك اسم هذه الفاكهةdaidai في نفس صوت المفردة التي تعني "أجيال".
الأومليت الياباني داتيماكي datemaki كثرة الأبناء و الأحفاد كما كان في بطاريخ (بيض) سمك الرنجة، فإن البيض عموماً يعبر عن خصوبة الإنجاب و كثرة الأولاد.

من اليمين، كورومامئ، كوبوماكي، وكينطون

عند تناولي طعام الأوسيتشي الياباني-وكنا أربعة أفراد- وجدت أن عدد عناصره تكون غالباً أعداد لا تقبل القسمة، كثلاثة، خمسة، إلخ. ولم أستطع فهم سبب هذا الأمر، إلا أن أحدهم أخبرني قائلاً "القسمة توحي بالانقسام والفرقة، فيسوء فألها. لهذا السبب نبعد عن إدخال الأعداد الزوجية في الطعام، وبصفة خاصة في هذا الوقت من العام".
 هكذا يهتم اليابانيون بما يحسن فأله والبعد عما يسوء في أدق الأشياء، وقت استقبال العام على وجه الخصوص .  
جدير بالذكر ظهور العديد من أنواع الـ "أوسيتشي" في العصر الحاضر، منها الغربي والصيني وغيرهما، مما يدل على عدم إصرار اليابانيين -وخاصة الأجيال الجديدة- على العادات التقليدية القديمة. وبعد الكثير من اليابانيين عن اعداد هذا الطعام داخل المنزل. ويمكن إرجاع ذلك إلى خروج المرأة للعمل، مما يعرقل قدرتها على تجهيز هذا الأوسيتشي كاملاً، فيقومون بحجزه وشراءه من المحال التجارية.

أهم طقوس استقبال العام الجديد
في بداية العام ، ينشغل اليابانيون بالكثير من الطقوس المعتادة ، ألخص أهمها فيما يلي:

الازدحام أمام أحد معابد رئيسية في طوكيو / تصوير إباء حسن

• زيارة المعبد الشينتويhatsumoude初詣
في الحلقة الماضية، ذكرت عادة احتفال اليابانيين بالكريسماس ، ثم بداية أول دقائق العام الجديد بدقات المعابد البوذية و عددها 108 دقة. أما بالدخول في العام الجديد، فيليهما زيارة المعابد الشينتوية أو الـ"هاتسومودئ" !
أظنك استعجبت حالهم؟
لا داعي للاستعجاب! فاحتفال اليابانيين بالأعياد المسيحية وذهابهم للمعابد البوذية والشينتوية، لا يكمن في طياته معاني إيمانية. بل هي مجرد عادات مرتبطة بأوقات معينة من العام، كتناول الكعك في أعياد الميلاد، أو البيض والأسماك في شم النسيم، على سبيل المثال !

تزدحم المعابد الشينتوية بالأفراد والعائلات،خاصة في الأيام الثلاثة الأولى ، حيث يحرص معظم الناس على زيارة المعابد الشينتوية للمرة الأولى في هذا الوقت من العام، ليتمنون مرور العام الجديد بأمان وصحة ، إلخ.
أصل هذه الزيارة و فصلها
المقطع الأول أي كلمة "هاتسو" تعني "أول" ، و "مودئ" تعني "زيارة" أو "زيارة المعبد الشينتوي"، أي "أول زيارة للمعبد الشينتوي".
أما عن أصل هذه العادة، فهناك عدة مقولات ، تقول إحداها إن أصلها "إيهومايري"
ehou-mairi恵方詣り .هذا الـ"إيهومايري" عادة يشير للذهاب إلى المعبد الشينتوي الذي يتفق اتجاهه مع العام الصيني الجديد، ويكون ذلك حسب التكهن الصيني في أول يوم في العام ، مما يُعتقد في جلب حسن الحظ .
ولكنه فقد معناه الأصلي، فأصبح فقط الذهاب إلى المعابد الشينتوية، و غالباً ما يكون في أول أسبوع من العام الجديد .

• العودة إلى مسقط الرأسsato-gaeri里帰り
يستغل معظم اليابانيين طول عطلة نهاية العام نسبياً، ليعودوا لمسقط رأسهم لقضاء عطلة العام مع عائلاتهم ويتزاور الأهل والأقارب"شينسكي-ماواري"Shinseki-mawari親戚回り. كما يهدى الأطفال العيدية "أوتوشي-داما"otoshidamaお年玉. كذلك يهتم الكثيرون بزيارة المقابر"أوهاكا-مايري"ohaka-mairiお墓参り، وغيرها من العادات التي تمثل تشابه إلى حد ما بين قضاء اليابانيين لهذه الفترة من العام، وقضاءنا العيد في بلادنا.

لا أحد! / تصوير إباء حسن

عند حديثي عن اهتمام اليابانيين بمراسم استقبال العام الجديد هنا و هناك، أخشاك أن تتخيل شوارع اليابان تملئها الحيوية ، يوشك مرمى البصر على الاسوداد نتيجة امتداد الرؤوس في صفوف مزدحمة . نتيجة لحركة العام الجديد.
لا تتعجل في الحكم ! فالحقيقة تختلف إلى حد كبير . إن الجو العام الذي يطوق شوارع المدينة خاص للغاية .
فترى هنا صورة لشارع مهجور مظلم في وقت متأخر من الليل، و لكنه في الحقيقة، شارع تجاري في منطقة سكنية حيوية في غاية الحيوية في حوالي الساعة السادسة مساءاً . تحول مع عطلة العام الجديد إلى شارع مهجور مظلم ، تتوقف به الحركة بسبب شلل الحركة التجارية، أي إجازة المحال التي تضيئه و عودة الكثير من سكان المنطقة إلى مسقط رأسهم. مما جعل التقاط صور حسنة الإضاءة، أمراً مستحيلاً.

وسط هذه الوحشة، إذا بضوء قوي يقضي على الظلام في البقعة التي تحيط به، فتقدمت لأرى سبب الضوء حاملة آلة التصوير لعلي أجد ما ينير صوري، كالفراش المنجذب للضوء تلقائياً !
ولكنها كانت مفاجأة بالنسبة لي. لم يكن سبب الضوء أحد المتاجر أو المحال الكبرى التي تعمل طوال العام، ولا نقطة شرطة . بل كان معرضاً صغيراً لبيع الإكسسوارات !
الآن ؟ في مثل هذه الفترة ؟ استغربت كثيراً ودخلت لأرى ما بالداخل. كان معرضاً صغيراً ليس به أية أجهزة للتدفئة، لا أرى به سوى إكسسوارات معروضة بطريقة بسيطة تبدو وكأنها في وضع مؤقت، وبائع يقوم بتنظيف وتلميع المعروضات، و كأنه يبحث عن سبب للحركة طلباً للدفء .
وكما اندهشت من وجود مثل هذا المحل ، اندهش كذلك البائع من دخولي المحل، خاصة وأنا حاملة ألة تصوير كبيرة- في مثل هذا الوقت من العام . وكان محقاً حيث كنت "الزبونة الوحيدة" التي دخلت في مثل هذا اليوم- أي أول يوم في العام الجديد- على حد قوله . فسألني،

داخل المعرض / تصوير إباء حسن

ماذا تلتقطين؟ أظنك تخطئين الزمان و المكان المناسبين لالتقاط الصور . إذا كنت تريدين التقاط صور معبرة، فعليك بالذهاب إلى المعابد و المزارات المحيطة . و إذا كنت تحبين هذا الشارع، فعليك أن تأتي في أيام العام العادية ، و ليس وقت "أجازة" !
نعم أنت محق.. فكل ما التقطه ضعفت به الإضاءة. كما ترى الظلام يحيط كل مكان .
و لكن ألا تعتقد أنك مخطئ مثلي ؟
قال متردداً : نعم و لكني قد استأجرت هذا المعرض لمدة أسبوع واحد، تنتهي المدة بعد يومين ، و كانت أسعار الإيجار زهيدة للغاية في هذا الوقت. كنت على علم بضعف حركة المعروضات، و خاصة اليوم، و لكني اتخذت القرار و أصبح أمراً واقعاً .
تطرق بنا الحديث إلى مواضيع متعددة ، سياسية و دولية . كما حظت الحكومة الجديدة و الإدارة و الانتخابات اليابانية بنصيب من الحديث . سألته عن طموحاته المستقبلية، كسؤال يشيع ترديده في العام الجديد، فأجابني:
أريد العمل في مكان ثابت ، أي أمتلك أو أستأجر محل خاص بي . فلا شك في أن العمل سيكون أيسر و أكثر راحة من التنقل بين المعارض .
و عندما سألته عن سبب يسر و راحة العمل في مكان ثابت، قال:
أريد أن أكون في مكان ثابت من أجل خدمة المشتري !
أي أني لا أستطيع خدمة المشتري أو صيانة البضائع بعد خروجها من يدي و أنا جوال، حين حدوث أي تلف أو كسر بالبضاعة . فـ "راحتي" هنا أعني بها راحتي النفسية و اطمئناني على رضي المشتري.

و كأنها رسالة تلمح عن سبب من أسباب تقدم و رقي اليابان .
كما استطعت التقاط صوراً واضحة في مكان منير ، أنار مداركي من خلال محادثة بسيطة في شارع "واخد أجازة" !


إباء حسن  - ハッサン エバ

منسقة المشاريع - صندوق ساساكاوا المالي لدول الشرق الأوسط الإسلامية
السابقة وداع عام و الترحيب بعام...