الخميس 1431/9/16 هـ ـ الموافق 2010/8/26 م

دور صناعة الطيران وأهميتها في تطوير الأقاليم واقتصاداتها

- الأرياف أنسب من المدن الكبرى لتطوير صناعة الطيران

مقصورة الطيار في الطائرة B-787 التي تصنع الشركات اليابانية 35% من أجزاءها / صورة من الأرشيف

أدى تسارع وتيرة العولمة الاقتصادية إلى تزايد حركة الناس وتنقلاتهم بغرض العمل أو السياحة، وترافق ذلك مع القدرة على التنقل لمسافات طويلة وبسرعات كبيرة. ففي السنوات الأخيرة نما حجم النقل الجوي بشكل كبير جدا سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، ومن المتوقع خلال العشرين سنة القادمة أن يرتفع عدد المسافرين جوا بنسبة 5% وحجم البضائع المنقولة جوا بنسبة 7%. وعلى أرض الواقع غدت المطارات قادرة على تلبية متطلبات الزيادة المستمرة في عدد المسافرين وحجم البضائع، ففي مطار ناريتا الدولي قرب العاصمة اليابانية طوكيو ازداد عدد الرحلات الواصلة والمغادرة من المطار بعد توسعة مدرج مواز للمدرج القديم السنة السابقة، والأمر عينه في مطار هانيدا القريب من طوكيو بعد الانتهاء من بناء المدرج الرابع ومبنى الركاب الدولي الجديد فيه هذا العام، وأصبح بالإمكان أن تنطلق أو تهبط في هذين المطارين المزيد من الرحلات. من جهة ثانية تم تأسيس العديد من شركات الطيران المتخصصة في الرحلات القصيرة أو متوسطة المدى، قادرة على ربط المطارات المحلية في البلدان المتجاورة. ومن المنطقي أن زيادة عدد الركاب الواصلين والمغادرين جراء تطور أعمال النقل الجوي قادر وحده على دفع الاقتصادات الإقليمية.

مع تنامي الحاجة للمزيد من الطائرات نظرا لانتعاش النقل الجوي تتواصل أعمال تطوير وصناعة الطائرات. وقد قامت شركة بوينغ الأمريكية مؤخرا أثناء صناعة طائرتها الجديدة B-787 الملقبة (Dreamliner) بالتوصية على صناعة أجزاء من هذه الطائرة من شركات عالمية ويابانية متخصصة، ونذكر على سبيل المثال شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة التي كلفت بصناعة (أجزاء الأجنحة الرئيسية)، وشركة كاواساكي للصناعات الثقيلة المكلفة بصناعة (قلابات الأجنحة الرئسية)، وشركة فوجي للصناعات الثقيلة التي ستصنع (الجناح العمودي، أجزاء من جهاز الهبوط الأساسي) وشركة IHI وغيرها، وبالمجموع تساهم الشركات اليابانية بصناعة 35% من أجزاء الطائرة B-787. فضلا عن ذلك، تقوم الشركات السابقة بمنح طلبيات لصناعة قطع ومعدات كثيرة بشكل واسع إلى شركات يابانية أخرى في إطار تصنيعها لأجزاء الطائرة الجديدة، وبذلك استطاعت الكثير من الشركات اليابانية المتوسطة والصغيرة أن تشارك في سلسلة التوريد للطائرة B-787. ومن المتوقع أن يطرأ تغيير كبير على الطلب في سوق الطائرات خلال 5 إلى 10 أعوام القادمة وذلك بسبب التغيرات في البيئة الاجتماعية وطبيعة الأعمال التجارية والابتكارات الكبيرة في تكنولوجيا المعلومات.

طائرة يابانية محلية الصنع
MRJ أول طائرة يابانية محلية الصنع منذ طائرة YS11 ذات المروحيات التي صنعت قبل نصف قرن

من ناحية ثانية، إذا تمكنت شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة من الحصول على طلبيات من شركات الطيران فإنها ستتمكن من تطوير طائرتها النفاثة التي تدعى MRJ اختصارا لـ (Mitsubishi Regional Jet)، وهي أول طائرة يابانية محلية الصنع منذ طائرة YS11 ذات المروحيات التي صنعت قبل نصف قرن. وتأمل الشركة أن تتمكن طائرتها MRJ90 ذات الـ 90 مقعدا من التحليق في أول رحلة عام 2012. ومن المقرر لهذه الشركة أيضا أن تقوم بتطوير طائرة نفاثة أصغر حجما بقليل عن السابقة تدعى MRJ70.

طراز MRJ الذي تبنت فيه ميتسوبيشي أحدث التقنيات، يعتبر الجيل القادم للطائرات النفاثة المستخدمة في الرحلات الإقليمية، وهذا الطراز يجمع بين الخدمة الاقتصادية والمقصورات المثالية من الدرجة الأولى. ونظرا لتطبيق أحدث تقنيات التصميم الأيرديناميكي في هذا الطراز، ولاعتماده على أحدث المحركات فإن طائرات طراز MRJ ستتمكن من خفض استهلاك الوقود بشكل كبير كما أنها ستقلل إلى أبعد الحدود من الضوضاء والانبعاثات الغازية، وستصبح مقارنة بالطائرات الأخرى من نفس الفئة أكثر الطائرات النفاثة هدوءا ونظافة. ومن المتوقع أن يلعب هذا الطراز دورا كبيرا في تزايد تنافسية وربحية شركات الطيران من خلال ما تقدم من خدمات اقتصادية مقنعة وتناغمها مع البيئة. وبالنسبة للتصميم، فقد صممت مقصورة الركاب بحيث يتألف كل صف فيها من 4 مقاعد فقط، علاوة على ذلك فقد صممت المقاعد بشكل جديد كليا يتميز بأنه قليل السماكة، لتصبح بذلك أول طائرة نفاثة للمسافات القصيرة والمتوسطة مجهزة بمقصورة ركاب ذات مساحة مريحة. وستتمكن MRJ بفضل قدرتها على الطيران لمسافات طويلة من تغطية نطاق شبكات الطيران الإقليمي في العالم، فمثلا إذا انطلقت من باريس فستغطي رحلاتها المدن الرئيسية في أوروبا وشمال إفريقيا، وفي حال انطلقت من مدينة دينفر فستغطي المدن الرئيسية في الساحل الشرقي والغربي للولايات المتحدة.

تتواصل الابتكارات التكنولوجية في ميدان صناعة الطائرات، وخير مثال على ذلك ما تم تطبيقه في الطائرة B-787 التي تعتبر طائرة سفر ممتازة لاقتصادها في الوقود وكفاءتها البيئية، كما تم اعتماد أحدث التقنيات في ينائها، فقد تم صناعة جسم الطائرة من مادة جديدة مؤلفة من بلاستيك مدعوم بألياف الكربون (CFRP) كبديل عن خلائط الألمنيوم التقليدية، وتم تطوير أجهزتها لمنع أي خلل كهرومغناطيسي فيها، أما من ناحية الترفيه فقد تم تحسين الخدمات الترفيهية داخل الطائرة بشكل كبير. ويمكن لنا أن نلاحظ أن صناعة الطيران تقتح مجالات أوسع من صناعة السيارات، وعليه فلابد للأكاديميات الصناعية الحكومية أن تتعاون في سبيل تطوير التكنولوجيا اللازمة لمواكبة هذا النمو، وهنا إن استطعنا توجيه صناعات الطيران بعيدا عن المراكز باتجاه الأرياف فلا بد أن ينشط ذلك اقتصادات تلك الأقاليم.

فرصة أمام الأقاليم في دخول قطاع الصيانة والإصلاح

إجراءات السفر الداخلي في مطار ناغاساكي / الأرشيف

نلاحظ أن الشركات الصغيرة والمتوسطة البعيدة عن المراكز تمتلك فرصة أكبر للدخول في صناعة الطيران

من المعروف أن أجزاء الطائرة بحاجة دورية للتبديل، وإكساؤها الداخلي يتطلب التجديد المستمر، كما أن الطائرة تخضع بشكل دوري لعملية تعمير شاملة (التحقق من سلامة كافة الأجزاء والمعدات) حيث يصبح تفكيك الطائرة حينها إلى مكوناتها الأساسية أمرا لا بدّ منه، وعلى هذا يظهر بشكل جلي ّ أن لأعمال الصيانة والإصلاح فرصة كبيرة لتتحول إلى أعمال حقيقية أكثر من التصنيع بحد ذاته. فإذا عززت الشركات المتوسطة والصغيرة من قدراتها التقنية، فستتمكن من المشاركة خدمات الصيانة والإصلاح هذه، وخاصة أن هذا المجال لا يحتاج إلى خبرة في مجال تطوير وتصميم الطائرات. وعلاوة على ذلك، ليس من الضروري أن تجري أعمال الصيانة والإصلاح والفحوصات في المراكز الحضرية الكبرى مثل طوكيو وأوساكا، بل قد تكون الفائدة أكبر إن تم نقل هذه الأعمال بعيدا عن المراكز حيث يمكن الحصول على مساحات واسعة من الأراضي بأسعار منخفضة. فإذا توقفنا عند هذه النقطة قليلا نلاحظ أن الشركات الصغيرة والمتوسطة البعيدة عن المراكز تمتلك فرصة أكبر للدخول في صناعة الطيران، وبخاصة ان مثل هذه الشركات تملك خبرات سابقة في مجال تصنيع وتجميع الأجزاء الإلكترونية. وقد تصبح في المستقبل قادرة على تصنيع قطع وأجهزة الطائرات. من ناحية ثانية، فإن قرب هذه الشركات من المطارات الداخلية (مطارات المحافظات والاقاليم) يمكنها من تأمين المكان المناسب لصيانة وإصلاح الطائرات مما يعني زيادة المنفعة على الاقتصاد الإقليمي، وبذلك قد تدخل بعض الأقاليم في مجال صناعة الطيران حيث أن مثل هذه الفرصة لم تكن ممكنة سابقا.

أعلنت الحكومة اليابانية مؤخرا عن <استراتيجية النمو الجديدة ~(اليابان القوي) سيناريو الانتعاش~>، ومما جاء فيها أن الحكومة تسعى لأن تبدأ الشركات الصغيرة والمتوسطة في الأقاليم بتصدير منتجاتها إلى خارج اليابان، ولكن الأمر لا يقتصر علاقة تصدير واستيراد مع الزبائن، بل تستطيع هذه الشركات بتعاونها مع موردين خارجيين وبانضمامها لسلاسل توريد دولية ان تصبح جزءا من تجارة عالمية.

إن مثل هذه العلاقات بين الشركات العالمية هو أمر معتاد في قطاع صناعة الطيران والفضاء. فضمن فعاليات معرض فارنبورغ الجوي الدولي الذي أجري في تموز/ يوليو من العام الحالي في المملكة المتحدة، عقدت هيئة التجارة والاستثمار البريطانية ندوة للشركات البريطانية المهتمة بعقد أعمال تجارية مع شركات يابانية. وقد تم التنويه في الندوة إلى أنه يجب أخذ الحالة الراهنة لصناعة الطيران والفضاء اليابانية بعين الاعتبار عند البدء بالتعامل مع الشركات اليابانية. علما أنه قد شاركت في هذه الندوة حوالي 20 شركة بريطانية أبدت اهتماما كبيرا بالموضوع.

شغلت السماء اهتمام اليابانيين منذ القدم، وخير مثال على ذلك مهرجان كانتو في مدينة أكيتا ومهرجان تاناباتا في مدينة سنداي. ولا أحد يعلم بالضبط أصل هذه المهرجانات، ولكن من المعتقد أن هناك علاقة بين التقويم القمري ومهرجان تاناباتا، كما أن الأمراء الإقطاعيين خلال عصر إيدو كانوا يشجعون على إقامة هذه المهرجانات. من الروعة أن تتلاقى المهرجانات التقليدية الصيفية مع ابتكارات العصر الجديد في مجال صناعة الطيران والفضاء في مثل هذه المدن التي تحتاج إلى مزيد من التطور الاقتصادي والاجتماعي.


د. تاكاشي ياماموتو  - 山本 尚史



تخرج د. تاكاشي ياماموتو في عام 1988 من قسم دراسات العلاقات الدولية في جامعة تسوكوبا، ثم تابع دراسته في جامعة برنستون ضمن الدراسات العليا في السياسات العامة (حاصل على الماجستير في السياسات العامة عام 1997)، وبعد ذلك حصل على درجة الدكتوراه من جامعة هاواي في الدراسات الاقتصادية عام 2004.
عمل د. ياماموتو خلال هذه الفترة في ميدان البنوك والتمويل ابتداء من بنك ميتسوئي، ومروراً بالبنك الدولي ومؤسسات أخرى يابانية للتعاون الدولي. ويعمل حالياً كأستاذ مساعد في جامعة آكيتا الدولية.
د. ياماموتو ناشط في الأعمال الاجتماعية في محافظة آكيتا حيث يشغل مناصب هامة في المجالس المحلية مثل مجلس تشجيع التجارة الدولية والاستثمارات ومجلس مراقبة أسواق الجملة في المحافظة (الرئيس) إلخ...

السابقة اليابان الأخفض ضرائبا بين الدول...
  |  الصفحة الرئيسية  |  الأخبار  |  قضية وتحليل  |  آراء يابانية  |  وجهات نظر عربية  |  حقائق حول اليابان  |  حماية الخصوصية  |